العلامة المجلسي
70
بحار الأنوار
الأشياء وإن دلفت ( 1 ) عساكره نحو بلد من البلدان لم يستطع أحد أن يحميه منه ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو جمع خيله ورجله ليحمي بلاده من الجراد لم يقدر على ذلك ؟ أفليس من الدلائل على قدرة الخالق أن يبعث أضعف خلقه إلى أقوى خلقه فلا يستطيع دفعه ؟ انظر إليه كيف ينساب ( 2 ) على وجه الأرض مثل السيل فيغشى السهل والجبل والبدو والحضر حتى يستر نور الشمس بكثرته ، فلو كان مما يصنع بالأيدي متى كان يجتمع منه هذه الكثرة ؟ وفي كم من سنة كان يرتفع ؟ فاستدل بذلك على القدرة التي لا ( 3 ) يؤودها شئ ولا يكثر عليها . تأمل خلق السمك ومشاكلته للامر الذي قدر أن يكون عليه ، فإنه خلق غير ذي قوائم لأنه لا يحتاج إلى المشي إذا كان مسكنه الماء ، وخلق غير ذي رية لأنه لا يستطيع أن يتنفس وهو منغمس في ( 4 ) اللجة ، وجعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملاح بالمجاذيف ( 5 ) جانبي السفينة ، وكسي جسمه قشورا متانا متداخلة كتداخل الدروع والجواشن لتقيه من الآفات ، فأعين بفضل حس في الشم لان بصره ضعيف والماء يحجبه ، فصار يشم الطعم من البعد البعيد فينتجعه ( 6 ) وإلا فكيف يعلم به بموضعه ؟ واعلم أن من فيه إلى صماخيه منافذ فهو يعب ( 7 ) الماء بفيه ويرسله من صماخيه ( 8 ) فيتروح إلى ذلك كما يتروح غيره من الحيوان إلى أن تنسم هذا النسيم ، فكر الآن في كثرة نسله وما خص به
--> ( 1 ) دلفت الكتيبة في الحرب : تقدمت . ( 2 ) انساب : جرى ومشى مسرعا . ( 3 ) لا يؤودها أي لا يثقلها . ( 4 ) لجة الماء : معظمه . ( 5 ) المجذاف : ما تجرى به السفينة . ( 6 ) انتجع : طلب الكلأ في موضعه . ( 7 ) أي يشرب أو يكرع بلا تنفس . ( 8 ) الصمخ : خرق الاذن الباطن الماضي إلى الرأس .